ابن عربي

91

مجموعه رسائل ابن عربي

المحادثات عند الشيخ الأكبر فقال كما نقل عنه ابن العماد 5 / 196 : « إن شاء استنزل روحانيته في هذا العالم ، وأدركه متجسدا في صورة مثالية شبيهة بصورته الحسية العصرية التي كانت له في حياته الدنيا ، وإن شاء أحضره في نومه ، وإن شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به » . أما إذا أطلت قرون المنطق العاجز هنا ، فإنا نهيب بهذا المنطق أن يحل لنا إشكالا أكثر حيرة من هذا وهو كيف فكر الشيخ الأكبر وكتب هذا العدد الضخم من الكتب في عمره هذا مع رحلاته الطويلة ومشاغله الحيوية ، رغم أن عبقري الزمان ممن نراهم قد يعمل في مؤلف واحد خمس سنين ولا يصل إلى نهايته إلّا متهافتا قد أعياه البحث ، وأضناه الفكر ، وخبط في مهاوي الحدس . إنه إعجاز الخلق الإلهي في الإنسان . فقد جعل اللّه من الإنسان نبيا طاهرا مجيدا ، ووليا مقربا حبيبا ، وشيطانا ضالا مضلا مريدا ، وسبحان اللّه القاهر فوق عباده في كل حال . وعلى أي حال فهذا البيت الذي ترعرع ابن عربي من أرضه العجيبة خليق بكل عجيبة ، لأن كان مصدرا للغرائب التي لا يسيغها منطق العقل النفسي حتى أمام وقائع التاريخ الدافعة فقد كان يحيى بن يغان خال الشيخ الأكبر ملكا ، وكان يسير وسط جمع من حواشيه ، فمر بشيخ من أرباب الحال والمقام . فوقف وتوجه إلى الشيخ سائلا : هل تجوز لي الصلاة في هذه الثياب ؟ وكان يلبس لباسا رقيقا رفيعا . فقال الشيخ : مثلك مثل الكلب إذا أراد أن يبول رفع رجله لئلا يصيبه من بوله شيء ، وهو غارق في أكل الجيف . كلمة لو سمعها أي مترف لأغرق في الضحك والسخرية ، ولكن الملك خلع لباسه في الحال وترك الملك وتزهد ، ولبس الغليظ وأكل اليابس ، وصحب الشيخ وأصبح حجة زمانه ، حتى لقد كان شيخه يحيل إليه الفتاوى ، ويستشيره في معضلات السلوك . فهذا بيت موهوب تبلورت مواهبه هذه في الشيخ الأكبر ، فلا عجب إذا استنزل الأرواح ، أو صعد إليها أو استحضرها مناما ، وتعلم منها ، ما دام المحترفون من دارسي علوم الروح في عصرنا - على ما بهم من ضلال المسلك - استطاعوا أن ينخلعوا عن أجسادهم بأرواحهم ، ويتصلوا بملأ غير ملأ العالم المنظور ، وما دامت وقائع التاريخ تحدثنا عن أزمة حدثت حينما وفد إلى مصر ،